باختصار: من يشتري عقاراً تحت الإنشاء في دبي ينطلق غالباً من قناعة واحدة: أنه يدخل بسعرٍ أرخص من الجاهز، وأن هذا «الخصم» هو مكسبه. لكن في دورة 2025 و2026 انقلبت المعادلة، فصار تحت الإنشاء يُباع في شرائح واسعة بعلاوةٍ فوق الجاهز المماثل، لا بخصمٍ تحته. والخصم نفسه لم يكن يوماً هديّة.
الفكرة التي تتكرر في كل عرضٍ تسويقي تكاد تكون قاعدة مسلّماً بها: شراء عقار تحت الإنشاء أرخص من شراء الجاهز، فادخل مبكراً واحصد الفارق حين تستلم. تبدو الفكرة بديهية إلى حدّ أن قليلين يتوقفون عند سؤالين أبسط منها: لماذا كان أرخص أصلاً؟ ومن قال إنه ما زال كذلك؟
العقار تحت الإنشاء (off-plan) هو وحدة تشتريها قبل أن يكتمل بناؤها، وتدفع ثمنها على مراحل حتى التسليم. وتاريخياً سعّره المطوّرون دون سعر الجاهز لسببٍ عملي: ليجذبوا رأس المال المبكّر الذي يموّل البناء نفسه. هنا وُلدت فكرة «الخصم». لكن ما لم يُقل بالوضوح الكافي أن هذا الفارق لم يكن منحة، بل ثمناً تدفعه مقابل تحمّل مخاطرة لا يتحمّلها مشتري الجاهز.
لماذا تبدو فكرة «الخصم» مقنعة؟
الرواية مكتملة الأركان ظاهرياً: تشتري الوحدة بسعرٍ أقلّ من الجاهز بنسبة تتراوح عادةً بين 10% و30% عند الإطلاق، وتدفع على خطة سدادٍ مريحة، وتنتظر نموّ السعر حتى التسليم. ثلاثة وعود في عرضٍ واحد: دخول أرخص، وسدادٌ أيسر على أقساط، ومكسبٌ رأسمالي محجوز ينتظرك.
وتكتسب هذه الرواية قوّتها من تجربةٍ قريبة حقيقية. من اشترى تحت الإنشاء في بداية موجة الصعود رأى مكاسب فعلية عند التسليم. الذاكرة القريبة تثبّت القناعة، فيتعامل المشتري مع «الخصم» كأنه ربحٌ مضمون مؤجَّل، لا كاحتمالٍ مشروط.
أين يبدأ الخلل في هذه القراءة؟
الخلل أن السوق الذي وُلدت فيه فكرة «الخصم» لم يعد قائماً. حين يتحوّل تحت الإنشاء من خيارٍ هامشي إلى محرّك السوق الأول، تتبدّل قوة التسعير لصالح المطوّر، لا لصالحك. تشير بيانات Savills إلى أن مبيعات تحت الإنشاء بلغت نحو 69% من صفقات الربع الأول 2025، وتضع بيانات Cushman & Wakefield حصّته عند نحو 72% من إجمالي صفقات 2025، مع ارتفاع أحجامه نحو 30% سنوياً.
هذه الهيمنة تغيّر المرجع نفسه. حين يصبح تحت الإنشاء سبعةً من كل عشر صفقات، يصير سعره هو السعر الأساسي للسوق، ويتحوّل الجاهز إلى السوق الثانوي. بعبارة أدقّ: لم يعد الجاهز هو المسطرة وتحت الإنشاء خصماً تحته، بل صار تحت الإنشاء هو المسطرة، والجاهز أحياناً خصماً تحته. ومع كل مرحلة إطلاقٍ جديدة، تُطرح الوحدة بسعرٍ يساوي الجاهز أو يفوقه، محمّلاً بقيمة «خطة السداد» و«المواصفات الأحدث».
الجميع يسأل: أيّ مشروعٍ تحت الإنشاء أكثر خصماً؟ السؤال الذي لا يطرحه أحد: في سوقٍ يُسعَّر فيه تحت الإنشاء بعلاوةٍ فوق الجاهز، هل بقيت فكرة «الخصم» قائمة أصلاً، أم صرتُ أدفع علاوةً على وحدةٍ لن أستلمها قبل سنتين أو ثلاث؟
ما الذي يشتريه المستثمر فعلاً حين يدفع علاوة؟
خطة السداد ليست مجّانية رغم أنها بلا فائدةٍ معلنة. المطوّر يموّلك بدل البنك، وثمن هذا التمويل مدفونٌ في السعر المعلن. أنت تدفع قيمة المرونة الزمنية علاوةً في رأس المال. وتتحدّث تقديرات تجارية عن اتساع علاوة تحت الإنشاء فوق الجاهز من نحو 17% إلى نحو 31% بين 2023 ومطلع 2026، وهي قراءةٌ اتجاهية لا رقمٌ رسمي، لكنها تكفي لتبيّن اتجاه الحركة: الفارق يتّسع لصالح تحت الإنشاء، لا ضدّه.
والأخطر أنّ من يدفع علاوةً على وحدةٍ لن تُسلَّم قبل سنتين أو ثلاث يحمل ثلاث مخاطر مجتمعة قبل أن يرى مفتاحاً واحداً. الأولى مخاطرة السوق: ارتفعت أسعار دبي نحو 60% بين 2022 والربع الأول 2025 بحسب بيانات Fitch، ثم نمت 13% فقط في 2025 بعد 22% في 2023 و18% في 2024 بحسب Cushman. وتيرة النمو تتباطأ بوضوح، فالعلاوة المبنية على نموٍّ بإيقاع 2023 قد لا تتحقّق عند التسليم. الثانية مخاطرة العرض: تتوقّع بيانات Cushman نحو 55 ألف وحدة تُسلَّم فعلياً في 2026 ونحو 75 ألفاً في 2027، مع أكثر من 400 ألف وحدة قيد الإنشاء أو التخطيط حتى 2030، وهي موجة عرضٍ تضغط على الأسعار في الشرائح المثقلة بالمعروض. الثالثة مخاطرة الزمن: رأس مالك محتجزٌ بلا دخلٍ إيجاري طوال فترة البناء، بينما مشتري الجاهز يقبض إيجاراً من اليوم الأول.
هنا يتّضح التفريق الذي يغيّر القرار: الفرق السعري بين تحت الإنشاء والجاهز ليس منحة، بل تسعيرٌ للمخاطرة والزمن. وحين يتحوّل هذا الفرق من خصمٍ تحت الجاهز إلى علاوةٍ فوقه، ينقلب عبء الإثبات. لم يعد عليك أن تنتظر مكسباً، بل صار عليك أن تبرّر العلاوة بنموٍّ سعري كافٍ، في الوقت نفسه الذي تضغط فيه موجة العرض على ذلك النمو ذاته.
كم نموّاً يلزم لمجرّد التعادل؟
لنأخذ حالةً توضيحية بأرقامٍ مبسّطة. تخيّل وحدةً جاهزة في منطقةٍ ما بمليونٍ وخمسمئة ألف درهم تُدِرّ إيجاراً فوراً. الوحدة المماثلة تحت الإنشاء تُطرح بعلاوة 10% أي بمليونٍ وستمئة وخمسين ألف درهم. أضف رسم تحويل دائرة الأراضي 4% وقدره ستةٌ وستون ألف درهم، ونحو خمسة آلاف درهم رسوم تسجيلٍ وإدارة، فيصبح الملتزَم به نحو مليونٍ وسبعمئة وواحدٍ وعشرين ألف درهم، بلا دخلٍ لمدة سنتين ونصف.
ولكي يتعادل مشتري تحت الإنشاء مع مشتري الجاهز عند التسليم، عليه أن يغطّي ثلاثة بنود: العلاوة نفسها وقدرها مئةٌ وخمسون ألف درهم، والتكاليف ونحوها واحدٌ وسبعون ألف درهم، والإيجار الصافي الذي قبضه مشتري الجاهز طوال المدّة. فلو افترضنا عائداً صافياً 4% على المليون والنصف، أي ستين ألفاً سنوياً على مدى سنتين ونصف، صار الإيجار الفائت مئةً وخمسين ألف درهم. المجموع نحو ثلاثمئة وواحدٍ وسبعين ألف درهم، أي نموٌّ سعري يقارب 22.5% على الوحدة تحت الإنشاء لمجرّد الوصول إلى نقطة التعادل مع خيار الجاهز.
الأرقام هنا توضيحية لا تنبؤية، لكن المنطق الذي تكشفه ثابت: «الخصم» المفترض صار يتطلّب في هذه الدورة نموّاً مزدوج الرقم فقط ليصل بك إلى التعادل، فما بالك بالربح. ومن يحسب مكسبه من فارق السعر اللحظي وحده، دون أن يطرح تكلفة الزمن والرسوم والإيجار الفائت، يقارن رقمين ليسا من جنسٍ واحد.
أليست التجربة السابقة دليلاً على نجاح الفكرة؟
قد يُقال إن من اشترى تحت الإنشاء في 2021 رأى ارتفاعاً تراوح بين 40% و70% عند التسليم، فالعلاوة تستحقّ التحمّل. والملاحظة صحيحة في وقتها، لكنها تخلط بين ظرفين مختلفين. ذلك المكسب تحقّق عند نقطة دخولٍ منخفضة في بداية موجةٍ صاعدة حادّة، حين كان لمدى الصعود متّسعٌ طويل أمامه. أمّا الدخول بعلاوةٍ قرب قمّة الدورة، مع موجة عرضٍ قادمة تضغط على النمو، فوضعٌ مختلفٌ جذرياً. النمو الماضي ليس وعداً مستقبلياً، والعلاوة تُقيَّم بما تبقّى من مدى الصعود أمامها، لا بما مضى منه خلفها.
يبقى أن نضيف تحفّظاً في موضعه: توقّعت Fitch تصحيحاً لا يتجاوز 15% في 2025 و2026 بفعل موجة العرض، وهي قراءةٌ توقّعية لم تتحقّق في 2025، إذ واصل السوق نموّه وإن بوتيرةٍ أبطأ. لذلك تُقرأ هذه التوقّعات كإشارة مخاطرة على الاتجاه، لا كحُكمٍ قاطع على ما سيحدث.
كيف تقرأ القرار بعد هذا الإطار؟
الإطار العملي بسيطٌ في منطقه، صارمٌ في تطبيقه. لا تقيّم العقار تحت الإنشاء بافتراض خصمٍ قد لا يكون موجوداً، بل بتكلفته الكليّة وبالنموّ الذي يحتاجه ليتعادل مع بديلٍ جاهز يُدِرّ دخلاً من اليوم. ثلاثة أسئلة تختصر القراءة: ما الفارق الحقيقي بين سعر هذه الوحدة تحت الإنشاء وسعر جاهزٍ مماثل بعد إضافة كل الرسوم؟ وكم نموّاً سعرياً يلزم خلال فترة البناء لتغطية ذلك الفارق والإيجار الفائت؟ وهل يحتمل وضع منطقتك وشريحتك ذلك النمو في ظلّ موجة العرض المتوقّعة؟
حين تجيب عن هذه الأسئلة الثلاثة، يتحوّل القرار من رهانٍ على «خصمٍ» مفترض إلى قراءةٍ صريحة لتكلفةٍ ومخاطرة. وهذا الإطار يقرأ العلاقة بين تحت الإنشاء والجاهز في العموم. أمّا أين تقع وحدتك أنت تحديداً، بمنطقتها وشريحتها وأفقك الزمني وسيولتك، فيُقرأ على حدة، لأن المنطق عامٌّ والوضع خاص.
